مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

6

تفسير مقتنيات الدرر

لمّا تقدّم ذكر عباد اللَّه المنيبين إليه ذكر منهم من أناب وأصاب فقال سبحانه : * ( [ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا ] ) * أي أعطينا داود منّا نعمة وإحسانا وفضّلناه على غيره بما أعطيناه من النبوّة والكتاب وفصل الخطاب . ثمّ فصّل سبحانه ما أعطاه فقال : * ( [ يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَه ُ وَالطَّيْرَ ] ) * أي قلنا للجبال : يا جبال سبّحي معه إذا سبّح ، وأمر اللَّه الجبال أن تسبّح معه إذا سبّح فسبّحت معه ، وتأويله : ارجعي معه التسبيح من آب يؤوب ، ويجوز أن يكون سبحانه فعل في الجبال ما يأتي به منها التسبيح معجزا له وأمّا الطير فيجوز أن يسبّح ويحصل له من التمييز ما يتأتّى منه ذلك بأن يزيد اللَّه في فطنته فيفهم ذلك . وقيل : المعنى : يا جبال سيري معه فكانت الجبال والطير تسير معه أينما سار وكان ذلك معجزا له والتأويب السير بالنهار . وقيل : معناه ارجعي إلى مراد داود فيما يريده من استنباط عين واستخراج معدن ووضع طريق . القميّ قال : كان داود إذا مرّ بالبراري يقرأ الزبور تسبّح الجبال والطير والوحوش معه وألان اللَّه الحديد بيده كالشمع حتّى كان يتّخذ منه ما أراد وقال : أعطي داود وسليمان ما لم يعط أحدا من الأنبياء من الآيات علَّمهما منطق الطير وألان لهما الحديد والصفر من غير نار ومطرقة وجعلت الجبال أن يسبّحن مع داود . * ( [ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ] ) * أي قلنا له : أن اعمل من الحديد دروعا تامّات . وإنّما ألان اللَّه الحديد لداود لأنّه أحبّ أن يأكل من كسب يده فألان له الحديد وأمره بصنعة الدرع وكان أوّل من اتّخذها وكان يبيعها ويأكل من ثمنها ويطعم عياله ويتصدّق منه . قال الصادق عليه السّلام : وذلك لأنّ اللَّه أوحى إليه يا داود نعم العبد أنت إلَّا أنّك تأكل من بيت المال فبكى داود أربعين صباحا فألان اللَّه له الحديد فكان يعمل في كلّ يوم درعا